محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا اختلف القراء في قراءة قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها فقرأت ذلك عامة قراء الحجاز والعراق أَمَرْنا بقصر الألف وغير مدها وتخفيف الميم وفتحها . وإذا قرئ ذلك كذلك ، فإن الأغلب من تأويله : أمرنا مترفيها بالطاعة ، ففسقوا فيها بمعصيتهم الله ، وخلافهم أمره ، كذلك تأوله كثير ممن قرأه كذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس أَمَرْنا مُتْرَفِيها قال : بطاعة الله ، فعصوا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا شريك ، عن سلمة أو غيره ، عن سعيد بن جبير ، قال : أمرنا بالطاعة فعصوا . وقد يحتمل أيضا إذا قرئ كذلك أن يكون معناه : جعلناهم أمراء ففسقوا فيها ، لأن العرب تقول : هو أمير غير مأمور . وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : قد يتوجه معناه إذا قرئ كذلك إلى معنى أكثرنا مترفيها ، ويحتج لتصحيحه ذلك بالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " ويقول : إن معنى قوله : مأمورة : كثيرة النسل . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين ينكر ذلك من قيله ، ولا يجيزنا أمرنا ، بمعنى أكثرنا إلا بمد الألف من أمرنا . ويقول في قوله " مهرة مأمورة " : إنما قيل ذلك على الاتباع لمجيء مأبورة بعدها ، كما قيل : " ارجعن مأزورات غير مأجورات " فهمز مأزورات لهمز مأجورات ، وهي من وزرت اتباعا لبعض الكلام بعضا . وقرأ ذلك أبو عثمان " أمرنا " بتشديد الميم ، بمعنى الإمارة . حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا هشيم عن عوف ، عن أبي عثمان النهدي أنه قرأ " أمرنا " مشددة من الإمارة . وقد تأول هذا الكلام على هذا التأويل ، جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : " أمرنا مترفيها " يقول : سلطنا أشرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب ، وهو قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها حدثني الحرث ، قال : ثنا القاسم ، قال : سمعت الكسائي يحدث عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، أنه قرأها : " أمرنا " وقال : سلطنا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج ، عن أبي حفص ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : " أمرنا " مثقلة : جعلنا عليها مترفيها : مستكبريها . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى : " أمرنا مترفيها " قال : بعثنا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك " آمرنا " بمد الألف من أمرنا ، بمعنى : أكثرنا فسقتها . وقد وجه تأويل هذا الحرف إلى هذا التأويل جماعة من أهل التأويل ، إلا أن الذين حدثونا لم يميزوا لنا اختلاف القراءات في ذلك ، وكيف قرأ ذلك المتأولون ، إلا القليل منهم . ذكر من تأول ذلك كذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا آمرنا مترفيها ففسقوا فيها " يقول : أكثرنا عددهم . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة قوله : " آمرنا مترفيها " أمرنا قال : أكثرناهم . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها قال : أكثرناهم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبد بن سليمان ،